الذي صلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب

"أصحمة بن أبجر".. ملك العدل

حسين الطيب
حسين الطيب

 

 

في الوقت الذي كانت الدعوة فيه إلى الله سراً، وكان بطش كفار قريش بالمسلمين فاجراً وطاغياً، حتى ضاقت مكة بهم، ولم يكن للمستضعفين سيفٌ يردّ عنهم الأذى ولا قبيلةٌ تحمي ظهورهم، كانوا قلةً مطاردة، يعذبهم القريب قبل البعيد، ويؤذيهم الأهل قبل الغريب. ومع ذلك لم يكن اليأس طريقهم، لأن قلوبهم كانت معلقة بربٍ لا يضيع عباده. وفي تلك اللحظات التي بدا فيها الأفق مسدودًا، فتح الله لهم بابًا من حيث لا يحتسبون؛ بابًا لم يكن جيشًا جرارًا ولا حصنًا منيعًا، بل كان إنسانًا واحدًا، قلبًا عادلًا يجلس على عرش بعيد خلف البحر، رجلًا لم يتكلم العربية يومًا ولم يسجد الكعبة قط، لكنه عرف معنى العدل بالفطرة. إنه النجاشي ملك الحبشة.  

 

كان النجاشي لقبًا لملوك الحبشة كما يقال كسرى وقيصر. أما اسمه فكان أصحمة بن أبجر، وقد عُرف بين قومه بالحكمة والرحمة والإنصاف، حتى صار العدل صفته الأشهر قبل أن يعرف الإسلام طريقه إلى قلبه. ولذلك حين اشتد البلاء على المسلمين قال لهم النبي ﷺ: «إن في أرض الحبشة ملكًا لا يُظلم عنده أحد». وكأن معيار الأمان لم يكن الدين ولا اللغة ولا النسب، بل قيمة واحدة عظيمة هي العدل. فالقلوب العادلة أقرب إلى نور الله من قلوبٍ تحفظ الأسماء والشعارات.  

 

عبر الصحابة البحر تاركين خلفهم الأهل والبيوت وذكريات الطفولة. خرجوا لا يملكون إلا إيمانهم وبعض الدموع في العيون. وصلوا إلى أرض غريبة بثقافة مختلفة ووجوه لا يعرفونها، لكنهم وجدوا فيها طمأنينة لم يجدوها في وطنهم. فقد أكرمهم النجاشي وآواهم، وسمح لهم أن يعيشوا في كنفه آمنين. غير أن قريشًا لم يرق لها أن يفلت هؤلاء بدينهم، فأرسلت عمرو بن العاص ومعه الهدايا الثمينة ليشتروا موقف الملك ويستعيدوا المهاجرين كما تُستعاد المتاع. غير أن الضمير الحي لا يُشترى، والعدل إذا سكن قلبًا استعصى على الذهب.  

 

جمع النجاشي المسلمين وسفراء قريش، وأراد أن يسمع بنفسه. فتقدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وتكلم بصدقٍ عجيب؛ لم يتجمل ولم ينافق، بل وصف الجاهلية كما هي: ظلامًا وضياعًا وعبادة أوثان وقطيعة أرحام. ثم حدثه عن النبي ﷺ الذي دعاهم إلى التوحيد والصدق والعفاف والرحمة. ثم تلا عليه آيات من سورة مريم، كلماتٍ خرجت من قلبٍ مؤمن فدخلت قلبًا صافيًا. تحدثت عن مريم البتول وعن عيسى عليه السلام، فإذا بالملك يبكي حتى ابتلت لحيته، وشعر أن هذا الكلام ليس غريبًا عن رسالة المسيح التي يعرفها. وقال كلمته الخالدة: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة».  

 

حاول عمرو بن العاص أن يثير الشبهة ويوقع بينه وبين المسلمين، لكن النجاشي أبى أن يسلّم قومًا جاوروه واستأمنوه. ردّ الهدايا وأعلنها واضحة: أنهم آمنون في أرضه. وهكذا وقف ملك نصراني في وجه أكبر قبيلة عربية دفاعًا عن حفنة من المؤمنين الغرباء؛ لا لمصلحة سياسية ولا لتحالف دنيوي، بل لأن الظلم عنده مرفوض مهما كان صاحبه. وكأن الله اختاره ليكون سياجًا يحمي الدعوة في سنواتها الأولى حين كانت أشد ما تكون ضعفًا.  

 

ومع الأيام أخذ نور الإسلام يتسلل إلى قلبه رويدًا رويدًا. فلم يعد الأمر مجرد تعاطف مع مظلومين، بل يقينًا بأن هذا الدين هو الحق. فآمن بالنبي ﷺ وراسله معلنًا إسلامه. وقيل إنه أخفى إيمانه عن بعض قومه خوف الفتنة عليهم، لكنه ظل نصيرًا للمسلمين، يكرمهم ويقضي حوائجهم ويعاملهم كأهل لا كلاجئين. حتى إنه تولى عقد زواج أم حبيبة للنبي ﷺ وأصدقها عنه، في صورة فريدة يجتمع فيها ملك إفريقيا بخاتم الأنبياء على ميثاق الإيمان.  

 

وجاء اليوم الذي رحل فيه النجاشي عن الدنيا بعيدًا عن المدينة التي أحب نبيها. مات في أرضه لا تحيط به وجوه الصحابة ولا يسمع تكبيرات الجنازات، لكن السماء كانت أقرب إليه من كل قريب. فأخبر جبريل النبي ﷺ بموته، فخرج بالصحابة وصفّهم وصلّى عليه صلاة الغائب. وكأن المسافات سقطت بين الحبشة والمدينة، وكأن روح ذلك الملك العادل كانت أقرب إلى قلوب المؤمنين من كثيرين عاشوا بينهم. ولم يُعرف في السيرة أن النبي ﷺ صلى الغائب على أحد غيره، فكانت شهادة خالدة بعدله وإيمانه.